فخر الدين الرازي
231
تفسير الرازي
ومتى فارقت النفس القلب حصل الموت لا محالة ، والآية تدل على أن عند بلوغها التراقي ، تبقى الحياة حتى يقال فيه : من راق ، وحتى تلتف الساق بالساق والجواب : المراد من قوله : * ( حتى إذا بلغت التراقي ) * أي إذا حصل القرب من تلك الحالة . * ( وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ) * . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في راق وجهان الأول : أن يكون من الرقية يقال : رقاه يرقيه رقية إذا عوذه بما يشفيه ، كما يقال : بسم الله أرقيك ، وقائل هذا القول على هذا الوجه ، هم الذين يكونون حول الإنسان المشرف على الموت ، ثم هذا الاستفهام ، يحتمل أن يكون بمعنى الطلب كأنهم طلبوا له طبيباً يشفيه ، وراقياً يرقيه ، ويحتمل أن يكون استفهاماً بمعنى الإنكار ، كما يقول القائل عند اليأس : من الذي يقدر أن يرقي هذا الإنسان المشرف على الموت الوجه الثاني : أن يكون قوله : * ( من راق ) * من رقى يرقي رقياً ، ومنه قوله تعالى : * ( ولن نؤمن لرقيك ) * وعلى هذا الوجه يكون قائل هذا القول هم الملائكة . قال ابن عباس : إن الملائكة يكرهون القرب من الكافر ، فيقول ملك الموت من يرقى بهذا الكافر ، وقال الكلبي : يحضر العبد عند الموت سبعة أملاك من ملائكة الرحمة ، وسبعة من ملائكة العذاب مع ملك الموت ، فإذا بلغت نفس العبد التراقي نظر بعضهم إلى بعض ، أيهم يرقى بروحه إلى السماء فهو * ( من راق ) * . المسألة الثانية : قال الواحدي إن إظهار النون عند حروف الفم لحسن ، فلا يجوز إظهار نون من في قوله : * ( من راق ) * وروى حفص عن عاصم إظهار النون في قوله : * ( من راق ) * و * ( بل ران ) * ( المطففين : 14 ) قال أبو علي الفارسي ، ولا أعرف وجه ذلك ، قال الواحدي ، والوجه أن يقال : قصد الوقف على من وبل ، فأظهرها ثم ابتدأ بما بعدهما ، وهذا غير مرضي من القراءة . * ( وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ ) * . قال المفسرون : المراد أنه أيقن بمفارقته الدنيا ، ولعله إنما سمي اليقين ههنا بالظن ، لأن الإنسان ما دام يبقى روحه متعلقاً ببدنه ، فإنه يطمع في الحياة لشدة حبه لهذه الحياة العاجلة على ما قال : * ( كلا بل تحبون العاجلة ) * ( القيامة : 20 ) ولا ينقطع رجاؤه عنها فلا يحصل له يقين الموت ، بل الظن الغالب مع رجاء الحياة ، أو لعله سماه بالظن على سبيل التهكم . واعلم أن الآية دالة على أن الروح جوهر قائم بنفسه باق بعد موت البدن ، لأنه تعالى سمى الموت فراقاً ، والفرق إنما يكون لو كانت الروح باقية ، فإن الفراق والوصال صفة ، والصفة تستدعي وجود الموصوف . ثم قال تعالى : * ( وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ) * . الالتفاف هو الاجتماع ، كقوله تعالى : * ( جئنا بكم